الشيخ محمد رشيد رضا

103

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قصير - فماذا يفعل وقد فاتته بذلك سعادة الروح ونعيم الآخرة باختياره الباطل على الحق ( فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ) قد يعترض الناظر في التاريخ ما قرره الأستاذ الامام في هذا المقام من ذهاب عز الذين قاوموا دعوة الاسلام وكتموا الحق من اليهود والنصارى بان عيشة اليهود كانت بعد الاسلام خيرا منها قبله ، لأنهم كانوا مضطهدين مقهورين بحكم النصارى الشديد وتعصبهم الفاحش ، فساوى الاسلام بينهم وبين النصارى والمسلمين ، وأعطاهم كمال الحرية في دينهم ودنياهم فحسنت حالهم في الشرق والغرب وكثر ما بأيديهم ولم يقلّ . وان المسلمين لم يقووا على جميع نصارى أوروبا فبقي لكثير من الممالك سلطانها وما تتمتع به . وكذلك بعض الممالك الوثنية وهم أعرق في الباطل من النصارى والجواب عن ذلك ان يهود الحجاز هم الذين كانوا يؤذون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويكتمون ما عرفوا من نعته ويظاهرون المشركين عليه ، فهم الذين قاوموا الحق بالباطل ، فلقوا جزاءهم الذي تم بجلائهم من جزيرة العرب أو الحجاز . وأما يهود سورية وغيرها ( كالاندلس ) فقد كانوا يساعدون الدعوة الاسلامية ودعاتها حتى من لم يؤمن منهم ليخلصوا من ظلم النصارى واستبدادهم فيهم ، فنالوا من حسن الجزاء بمقدار قربهم من الحق ، ولو آمنوا وقبلوا الحق كله وأيدوه لذاته ظاهرا وباطنا لأوتوا أجرهم مرتين ، وجزاءهم ضعفين ، وكانوا أئمة وارثين ، وسادة عالين وأما الذين سلم لهم ملكهم ومتاعهم فلم يكن لهم ذلك بضعف حق الاسلام عن باطلهم ، فان الذين حاولوا فتح ما وراء الأندلس من أوروبا لم يكن غرضهم كلهم نشر دعوة الحق وإنما كان غرضهم عظمة الملك والغنائم - وليس من الحق ان يعتدي قوم على قوم لأجل سلب ما في أيديهم ، فان المعتدي مبطل ، والمدافع محق في الدفاع عن نفسه وبلاده ، وإن كان مبطلا في عمله واعتقاده ، فهو جدير بأن يكون له الظفر إذا أخذ له أهبته ، وأعد له عدته . وقس على هذا سائر الممالك التي لم يقو المسلمون عليها بعد ترك الدعوة لأجل الهداية . والاسلام لا يبيح الحرب لذاتها وقد حرم الاعتداء ، وإنما يوجب تعميم الدعوة إلى الحق والخير فمن عارضها وجب جهاده عند القدرة ، حتى يقبلها أو يكون لأهلها السلطان الذي يتمكنون به من نشرها بدون معارض -